آقا بن عابد الدربندي

2

خزائن الأحكام

ذلك من العلوم الكثيرة والفنون الوفيرة في الإلهيات وقد تجعل لتلك الفنون المستحدثة والعلوم المخترعة موضوعات مستقلة وتعريفات على حدة وقد يترك ذلك كله ويكتفى فيه بما هي موضوعات وتعريفات للعلوم الأصلية الكلية التي استخرجت وتشعّبت منها هذه الفنون ثم انّ لفظ العلم كلفظ الفنّ في ذلك المقام فكلما يضاف اليه الأول يضاف اليه الثاني ويمكن ان يفرق بينهما بوجه كما لا يخفى على الفطن فإذا عرفت هذا فاعلم أنه قد توجد في جملة من العلوم مسئلة تمرينية وذلك كما في علم النحو مسئلة الاخبار بلفظ الذي وفي الصرف المسألة المعهودة المشهورة في فن الاشتقاق فالمقصود من ذلك طلب تشحيذ الأذهان وتلطيف الافكار والخيالات وروم الكمال والحذاقة في الفنّ باستحضار ما تقدّم من المسائل والقواعد واظهار التفاضل والتفاوت بين الطلاب والمشتغلين بذلك الفنّ مقدمة المؤلف في بيان كون موضوع الكتاب هو فن التمرينات في القواعد الأصولية والقوانين الفقهية فأقول مستعينا باللّه ومتوكلا عليه سبحانه وتعالى ان فن التمرينيّات الذي اخترعته هو مجمع مجرى بالقواعد الأصولية والقوانين الفقهيّة ومحجر عيني هذين العلمين الشريفين ومجتنى ثمارهما وملتقى انوارهما فكما يعلم فيه تأسيس الأصول اللفظية والعملية والقواعد الأصولية وتقنين القوانين الفقهيّة واتقانها واحكامها في كل باب يراد وفي كل مقام يشاء فكذا يعلم به أمور غير محصاة ويسترشد منه إلى أشياء غير مستقصاة وذلك كمعرفة المعيار في الأصول الاوليّة والثانوية والثالثية والرابعيّة ومعرفة القواعد والأصول الفقهيّة التي ليست على وفق الأصول الاوّلية ولا على خلافها ومعرفة القواعد التي على طبق الأصول الاوّلية أو على طبق جملة منها ومعرفة القواعد المخالفة للأصول الاوّلية أو لبعض منها والقواعد الموافقة لجملة منها والمخالفة لجملة أخرى ومعرفة القواعد التي هي من أصول المذهب بالمعنى الاخصّ اى التي لم يتطرق إليها التخصيص أصلا وهكذا القواعد التي هي من أصول المذهب بالمعنى الأعم اى التي قد تطرق إليها التخصيص ومعرفة القواعد التي تستنبط منها أصول كثيرة وقواعد وفيرة ومعرفة القواعد التي ليست في الحقيقة الا مما مداركه الأصول الاوّلية ومعرفة القواعد التي تعد في بادي الأنظار الجلية مما ليس له مدرك أو مما خفى مدركه ولكنها عند الانظار الدّقيقة من قبيل القضايا التي قياساتها معها إلى غير ذلك من الأمور التي يجمع بها وبما مرّت اليه الإشارة يجمع جوامع الأصول والقواعد ثم انّ جملة من مقاصد هذا العلم الشّريف اى علم التمرينيّات لحرمة ان تعدّ فنونا وتحسب علوما وذلك لكثرة قواعد كلّ مقصد من تلك المقاصد والأبواب ووفور مباحثه ولطافة التحقيقات المذكورة فيه وذلك كباب الأسباب والشّروط وباب الأقارير وباب أسباب الضمانات ومسقطاتها وباب الولايات إلى غير ذلك من المقاصد الكثيرة والأبواب الوفيرة التي أخذنا الكلام فيها بمجامعها وجوامعها ثم إن جملة من مقاصد هذا العلم الشّريف وان لم تكن بهذه المثابة التي مرّت إليها الإشارة إلّا انها مع ذلك مما فيه إشارات وارشادات إلى فوائد كثيرة وقواعد وفيرة مضافة إلى تلويحات وتنبيهات لطيفة نعم انّ جملة أخرى من مطالب هذا الفنّ ومقاصده لم نذكرها الا لإراءة طرق التمرينيّات والارشاد إلى تحصيل الحذاقة الباهرة والملكة القويّة القاهرة في هذه الصّناعة فإذا كان الحال على ذلك المنوال فلا يسوغ ولا يباح لمن منحه اللّه تعالى ملكة قوية نورانية وحذاقة تامّة في علمي الأصول والفقه وهو من أهل المروة والانصاف والمحترز عن الجور والاعتساف ان يعد هذا الكتاب في هذه الصّناعة الشّريفة التي اخترعت اسّها وأحكمت مبانيها وقوّيت كاهلها وساعدها من قبيل كتب جماعة من الخاصّة والعامّة من المتصدين للتّأليف والتّصنيف في جملة من القواعد الفقهيّة وذكر الأشباه والنظائر وطرق الطفرات والتفريعات أو ككتاب بعض المتاخّرين الذي له مسلك جديد في بادي الأنظار الجليّة إلّا انه عند النّظر الدقيق مأخوذ من مسالك من تقدّم عليه وان كان له فيه التفاتات جديدة وانظار دقيقة لكنه مع ذلك لا يستحق لان يقال في شانه انّه كتاب في فنّ جديد مخترع وبالجملة فان الفضل وان كان لمن تقدّم علينا من علمائنا الاماميّة جزاهم اللّه تعالى خيرا الا انّ ما اخترعنا من هذا الطرن الجديد والنمط الأنيق الرشيق وسمّيناه بعلم التمرينيّات في صناعة اتقان القواعد الأصولية وفن استحدث الأصول الفقهيّة واستحكامها هو في الحقيقة علم جديد وفن مخترع لم يحم حوله السّابقون وان كانوا من السّابقين أصحاب الفطانة والأذهان الزكية والافكار المبتكرة والحذاقة التامة في صناعتي الأصول والفقه وكيف لا فان من استحضر مطالبه عنده وأحاط بها بالتأمل الدقيق والتدبّر الرقيق يقدر على إدارة قدحان القواعد والضّوابط الأصولية وكئوس القوانين والأصول الفقهيّة كإدارة الخاتم في إصبعه ثم لا يخفى عليك انا جعلنا أول مبحث من مباحث صناعة التمرينيّات هو مسئلة معرفة الطريق إلى موضوعيّة الموضوع للاستصحاب وذلك ان ذلك المبحث وان كان في الحقيقة من مباحث فنّ الاستصحاب الا انّ ذلك المبحث لمّا كان مما لا يتم « 1 » في فنّ من الفنون أدخلناه وما يتعلّق به في صناعة التمرينيّات واما وجه ادخالنا جملة كثيرة من المباحث مما لا يدار فيه قد حاز القواعد الفقهية وذلك كمبحث وقوع التعارض بين الاستصحاب وبين الأدلة الاجتهاديّة أو الامارات الاجتهاديّة وأيضا بينه وبين الأدلة الفقاهيّة أو الامارات الفقاهتيّة ومبحث بيان كيفية تقدم الدّليل الاجتهادى على الاستصحاب بمعنى انّ ذلك هل هو من قبيل التخصيص أو التخصّص أو تبدّل الموضوع أو غير ذلك ومبحث بيان ما يعوّل عليه في باب الوضع والطّريق إلى معرفة اللغة ومباحث تعارض الأصول بعضها مع البعض فهو انّ تلك المباحث وان لم نذكر فيها تأسيس الأصل واتقان الامر واستحكامه بالنّسبة إلى ضوابط وقواعد فقهيّة

--> ( 1 ) في فنّ